أبي منصور الماتريدي
508
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أن يصيبه ما ذكر من العناء والشدة ؛ يقول : كتب لهم بكل ما يصيبهم العمل الصالح ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . وقوله - عزّ وجل - : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ . هو ما ذكرنا أنه يجزيهم بكل ما يصيبهم من الشدة والعناء في أنفسهم وفي أموالهم من النقصان وما ينفقون . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . أي : يجزيهم لصالح أعمالهم وأحسنها ، ولا يجزيهم لسيئاتهم ؛ وهو كقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ [ الأحقاف : 16 ] ، أخبر أنه يتقبل منهم أحسن ما عملوا ويكفر عنهم سيئاتهم ؛ فعلى ذلك الأول يخبر أنه يجزيهم أحسن ما عملوا في الغزو ، ويتجاوز عن سيئاتهم . وقوله - عزّ وجل - : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ . . . الآية . اختلف أهل التأويل : قال بعضهم : إن نبي الله كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعا ، فتبقى المدينة خالية عن الرجال ، فنهى الله عن ذلك وقال : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ . وقال بعضهم : كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا بعث سرية خرجوا جميعا ، فبقي هو وحده لم يبق معه أحد ممن يشهد التنزيل ؛ ليخبروا أولئك إذا حضروا . وقال آخرون : الآية في الوفود ، وذلك أن الوفود إذا قدموا من الآفاق المدينة قدموا مع النساء والذراري جميعا ، فأمروا أن ينفر الرجال منهم دون النساء والذراري ، أو من « 1 » كل قوم نفر ؛ ليتفقهوا في الدين . ذكر في هذه الآية : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ، نهى الكل أن ينفروا ، وأمروا في الآية الأخرى بنفر الكل بقوله : فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً [ النساء : 71 ] ، فهو يخرج على وجهين : أحدهما : أمر بالنفر الجميع عند قلة المؤمنين ؛ ليكون لهم الكفاية مع العدو .
--> ( 1 ) في أ : ومن .